محمد هادي معرفة
23
شبهات وردود حول القرآن الكريم
وبين سائر الأحياء . ومنحته خصائصه الإنسانيّة الكبرى . وأوّلها القدرة على الارتقاء في سلّم المدارك العليا الخاصّة بعالم الإنسان . هذه النفخة هي التي تصله بالملإ الأعلى ، وتجعله أهلا للاتصال باللّه ، وللتلقّي عنه ولتجاوز النطاق المادّي الذي تتعامل فيه العضلات والحواسّ ، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول . والتي تمنحه ذلك السرّ الخفيّ الذي يسرب به وراء الزمان والمكان ، ووراء طاقة العضلات والحواسّ ، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصوّرات غير المحدودة في بعض الأحيان . « 1 » وبذلك استحقّ إيداعه أمانة اللّه التي هي ودائع ربّانية لها صبغة ملكوتية رفيعة أودعت هذا الإنسان دون غيره من سائر المخلوق . وتتلخّص هذه الودائع في قدرات هائلة يملكها الإنسان في جبلّته الأولى والتي أهّلته للاستيلاء على طاقات كامنة في طبيعة الوجود وتسخيرها حيث يشاء . إنّها القدرة على الإرادة والتصميم ، القدرة على التفكير والتدبير ، القدرة على الإبداع والتكوين . القدرة على الاكتشاف والتسخير . إنها الجرأة على حمل هذا العبء الخطير . قال سيّد قطب : إنّها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة ، هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق اللّه . وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه اللّه في الملأ الأعلى وهو يسجد الملائكة لآدم . وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ . « 2 » فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند اللّه ، ولينهض بالأمانة التي اختارها . والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال ، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها . « 3 » إنّها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم الكبير القوى القويّ العزم . ومن ثمّ كان ظلوما لنفسه حيث لم ينهض بأداء هذه الأمانة كما حملها ، جهولا لطاقاته هذه الهائلة المودعة في وجوده وهو بعد لا يعرفها .
--> ( 1 ) من إفادات سيّد قطب ، راجع : في ظلال القرآن ، ج 14 ، ص 17 ، المجلد 5 ، ص 203 . ( 2 ) الإسراء 17 : 70 . ( 3 ) في ظلال القرآن ، ج 22 ، ص 47 ، المجلد 6 ، ص 618 .